وهبة الزحيلي

16

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت الآية الأولى إلى أن البيت الحرام أول بيت وضعه اللّه للعبادة ، بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام . وهو يمتاز بمزايا عديدة هي وجود مقام إبراهيم عليه السّلام ، وكونه ذا بركة وخير كثير ، ومصدر هداية للناس ، وسبب وحدة المسلمين لاتّجاههم إليهم في صلاتهم ، وموضع أمن وسلام لمن دخله في الدّنيا : بمنع قتله والاعتداء عليه ، وفي الآخرة : يكون آمنا من النّار ، لقضاء النّسك معظّما له ، عارفا بحقّه ، متقرّبا إلى اللّه تعالى . وأرشدت الآية الثانية إلى فرضيّة الحجّ على المستطيع الذي لم يجد مانعا من الوصول إلى البيت الحرام ، وهو فرض في العمر مرّة ، وتكراره كل خمس سنوات سنّة ، لحديث في هذا المعنى أخرجه ابن حبّان في صحيحة والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يقول اللّه عزّ وجلّ : إن عبدا صححت له جسمه ، ووسّعت عليه في المعيشة ، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ المحروم » أي من الأجر ومطرود من رضوان اللّه . ودلّ الكتاب والسّنة على أنّ الحجّ على التّراخي ، لا على الفور ، وهو مذهب الشافعية ومحمد بن الحسن ، قال القرطبي : وهو الصحيح ؛ لأن اللّه تعالى قال : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا [ الحج 22 / 27 ] وسورة الحج مكيّة ، وقال تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران 3 / 97 ] ، وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة ، ولم يحجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى سنة عشر . وورد في السّنة ما يدل على فرضية الحج مثل حديث ضمام بن ثعلبة السعدي قدم على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسأله عن الإسلام ، فذكر الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج . واختلف في وقت قدومه ، فقيل : سنة خمس ، وقيل : سنة سبع ، وقيل : سنة تسع . قال ابن عبد البرّ : ومن الدّليل على أن الحج على التراخي : إجماع العلماء